إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم”
*رواه مسلم*
شرح الحديث:
وفي هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا قال: «هلك الناس»، أي: استوجبوا عقاب الله عليهم، وإنما قال ذلك إعجابا بنفسه وتصاغرا للناس، «فهو أهلكهم»، روي: «أهلكهم» بضم الكاف وفتحها، ورواية الضم أشهر، ومعناها: فهو أسبقهم لهذا العقاب وأحقهم به؛ لما وقع فيه من الغرور والإعجاب بصلاحه، ورواية الفتح معناها: أنه تسبب في هلاكهم؛ لما يترتب عليه من يأس الناس وقنوطهم من رحمة الله بسبب قوله ذلك.
وقد اتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن يقوله على سبيل احتقار الناس وتفضيل نفسه عليهم وتقبيح أحوالهم؛ لأنه لا يعلم سر الله في خلقه، وأما من قال ذلك تحزنا لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين، أو قال ذلك مقارنة بين أحوال الناس في زمانه وبين أحوال الصحابة والصالحين؛ فلا بأس عليه، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه، كما أخرجه البخاري.
إذا قال شخصٌ بازدراء وتعالٍ: “الناس كلهم فاسدون، جهّال، لا خير فيهم” ويقصد بذلك أنه خيرٌ منهم وأفضل فهذا هو المُهلك حقًا.
“أهلكهم” يمكن أن تُفهم بمعنيين عند العلماء : أكثرهم إهلاكًا للناس؛ لأنه ييئِّس الناس من رحمة الله.أو أهلكُهم نفسًا؛ لأنه يرى نفسه أفضل من الجميع فيُهلك نفسه بالكِبر والعجب.
ما الذي ينهى عنه الحديث؟
الحديث ينهى عن: احتقار الناس, تزكية النفس, اليأس من صلاح الأمة و القنوط من رحمة الله, التعالي و العجب والتكبر بحجة الصلاح. أما إن قال الإنسان “هلك الناس” وهو حزين لإصلاحهم وليس متكبّرًا ولا معجبًا بنفسه، بل على سبيل التحسّر والنصيحة والدعوة، فهذا لا يدخل في الوعيد.
أقوال العلماء في شرح الحديث:
قول الإمام النووي (شارح صحيح مسلم):
قال النووي رحمه الله: “معناه: لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم، ويعتقد أنه خير منهم، فهذا هو المهلك نفسه.“
(شرح صحيح مسلم 16/175) يعني: من يقول “هلك الناس” احتقارًا لهم، ويرى نفسه أفضل فقد أهلك نفسه بالكِبر.
قول الحافظ ابن حجر العسقلاني :
قال ابن حجر في فتح الباري : “المراد بالنهي من يقول ذلك على سبيل الإعجاب بالنفس واحتقار الناس.”
(فتح الباري 10/439). وأكد : من قالها تحسّرًا على حال الناس لا حرج عليه.
قول الخطّابي:
قال الخطابي رحمه الله : “ليس المراد به من قال ذلك تحزّناً لما يرى من فساد الناس، ولكن المراد به من قاله عُجبًا بنفسه وتصاغرًا للناس، وارتفاعًا عليهم.”
و عليه ليس المقصود أن تحزن على فسادٍ تراه، أو تتألم لما يصيب الناس من غفلة‘, فهذا من رحمة القلب. إنما جاء الوعيد على من يقولها احتقارًا للناس، وإعجابًا بنفسه، فيرى أنه أفضل من غيره، وأن الناس ناقصون وهو الكامل.
المؤمن الحق إذا رأى منكرًا: بكى على نفسه قبل غيره, وقال: اللهم أصلحنا وأصلح المسلمين و لا يقول : أنا على خير والناس هالكون
فمن رأى نفسه خيرًا من غيره؛ فقد وقع في الكِبر الذي أهلك إبليس. وأما من رأى تقصير نفسه، وشفق على الخلق، ودعا لهم بالهداية، فقد سلك طريق الأنبياء.
اللهم ارزقنا التواضعً، وحسن الظن بعبادك، وإصلاحًا لأنفسنا قبل غيرنا.
Views: 2